يثير مفهوم "الحكومة الباطنية" أو فكرة تحكم الأولياء، الأقطاب، والحكماء في مجريات الكون اهتماماً بالغاً في الأوساط الروحية والمهتمين بالتصوف والمذاهب الباطنية. يميل الكثيرون إلى الاستماع لهذه الأطروحات التي تضفي هالة من القوة والسيطرة الخفية على العارفين بالله، وتمنحهم مناصب تنفيذية وكونية، سواء في حياتهم الدنيا أو بعد انتقالهم إلى عالم البرزخ.
ولكن، عندما نغوص في كتابات الفيلسوف والعارف الفرنسي المسلم رينيه جينون (الشيخ عبد الواحد يحيى)، والذي يُعد من أبرز مؤسسي مدرسة "الحكمة الأزلية"، نجد أن له تفريقاً دقيقاً وصارماً بين السلطة الروحية و السلطة الزمنية، وهو تفريق ينسف العديد من التصورات الشعبية حول ما يُسمى بالحكومة الباطنية.
يضع الشيخ عبد الواحد يحيى مصطلحاته في سياقات تعريفية محددة. فهو لا يدعو إطلاقاً إلى أن يحكم الأولياء والمشايخ أو الفلاسفة تفاصيل الدنيا وشؤونها التنفيذية. بل على النقيض من ذلك، تنبني فلسفته على مبدأ التراتبية الكونية.
يرى جينون أن لكل إنسان صفات ومواهب أودعها الله فيه لتأدية وظائف محددة. الذين يتولون الأمور التنفيذية (كالأطباء، المهندسين، ورجال الدولة) يمتلكون ملكات ومهارات تجعلهم الأقدر على الإنجاز في هذا المضمار. وفي المقابل، هناك أفراد وهبهم الله ملكات التوجيه، التنظير، الاستشراف، والتعمق في النصوص. السلطة الروحية تتربع على قمة الهرم التراتبي من حيث المكانة، لكنها لا تنزل إلى أرض الواقع لتمارس مهام السلطة الزمنية، لأنها ببساطة لا تمتلك أدوات التنفيذ المادي، ولا ينبغي لها ذلك.
إذا لم تكن السلطة الروحية تدير الكون كحكومة باطنية، فما هو دورها الفعلي؟ يحدد الشيخ عبد الواحد يحيى ثلاثة أدوار وظيفية رئيسية ومحورية للنخبة الروحية:
- أولاً: التوجيه ورسم المسار صاحب السلطة الروحية يمتلك البصيرة التي تؤهله لوضع الإطار العام. فهو يوجهك للاتجاه الصحيح (كأن يخبرك بضرورة الاتجاه شمالاً للوصول إلى وجهتك)، لكنه يترك لك مساحة المرونة المطلقة لاختيار وسيلة المواصلات أو تفاصيل الطريق. هو يضع الأسس الكبرى، ويترك للسلطة الزمنية حرية التنفيذ.
- ثانياً: الحفاظ على التراث التقليدي لكل حضارة وديانة وممارسة تراث تقليدي وروحاني متوارث (سواء في كيفية تحصيل العلوم، أو ممارسة الرياضات الروحية). السلطة الروحية هي الجهة المخولة بحفظ هذا الإرث التقليدي من الضياع أو التحريف، وضمان نقله نقياً عبر الأجيال.
- ثالثاً: فك الرموز الكونية وفقاً للفلسفة الجينونية، فإن الكون ممتلئ بالرموز، والعلامات، والهندسة المقدسة التي تحمل معاني مبطنة. النخبة الروحية، بما تمتلكه من قدرات فكرية وروحية عالية على الاستيعاب والتلقي، هي الفئة القادرة على فك هذه الشفرات واستخراج الحكمة منها.
للإجابة عن سؤال ما إذا كان يمكن لعارف من النخبة الروحية أن يصبح رئيساً أو زعيماً تنفيذياً، كان رد جينون قاطعاً. في رسائله الخاصة التي نُشرت لاحقاً في كتبه، أكد صراحة أنه لا ينبغي للنخبة الروحية أن تمارس مناصب تنفيذية.
ويشير جينون إلى أنه في العصر الحالي، لم يعد هناك من يمتلك القدرة الكاملة على المزج بين السلطتين الروحية والزمنية في آن واحد بكفاءة تامة، مما يُحتم الفصل بين التوجيه الروحي والتنفيذ الإداري.
أما فيما يخص قدرة الأرواح في عالم البرزخ على توجيه الأحياء وتصريف الأمور، فإن جينون لم يُسهب في هذه النقطة ولم ينكرها أيضاً. السبب في ذلك يعود إلى طبيعة مشروعه الفكري؛ فقد كانت كتبه موجهة في المقام الأول للعقلية الغربية وللمواطن الأوروبي، بهدف نقد الحداثة والعصرنة التي طغت على الحضارة الغربية.
لذلك، كان يخاطبهم بما تدركه عقولهم وبما يحقق صلاحهم في الدنيا لتجاوز مأزق المادية. انطلق رينيه جينون في كل ذلك من تربيته الروحية الإسلامية ليقدم طرحاً شمولياً يتجاوز الأديان ظاهرياً، لكنه يرسخ لمبادئ الحكمة الأزلية التي تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح بعيداً عن شطحات الخيال.
0 تعليقات