تكمن الخطيئة الكبرى التي ارتكبها الإنسان الحديث في محاولته الفصل التعسفي بين "المادة" و"روح المادة". لقد ظن إنسان هذا العصر أنه بتجريد الأشياء من بعدها الروحي، سيتمكن من إحكام سيطرته على قوانين الكون وتطويعها لخدمته. ولكن بالنظر إلى الحضارات القديمة والأديان، نجد أن التعامل مع العلوم والأشياء كان يتم دائماً عبر شقين متلازمين: الشق المادي المرئي، والشق الروحي الباطن؛ ففي العقيدة الإسلامية على سبيل المثال، نؤمن بأن كل شيء في الوجود يسبح بحمد خالقه، وأن لكل مخلوق تأثيراً وتأثراً في شبكة الوجود المعقدة.
تتجلى في الكون سنة إلهية تُعرف بـ "التدافع"، وهي لا تقتصر فقط على تدافع القوى البشرية، بل تمتد لتشمل كل ذرة في هذا الوجود. هذا التدافع المستمر ينتج عنه ما يطلق عليه علماء العصر الحديث مصطلح "الفوضى المنظمة". ما نراه نحن بأعيننا القاصرة كفوضى، هو في حقيقته نظام بالغ الدقة، يحمل وراءه تراتبية صارمة وديناميكيات مترابطة بشكل مذهل يخرجه تماما من دائرة العشوائية.
ومع ذلك، فإن اقتصار الإنسان على فهم الظاهر دون إدراك الباطن يجعله يطلق أحكاما سطحية. هذا القصور إما أن يكون نابعا من افتقاره للأدوات المعرفية والروحية، أو لكونه لم يعد مؤهلا ليكون الإنسان الأسمى في هذا العصر.
خُلق الإنسان ليكون خليفة الله في الأرض، مخولا بإدارة هذه الحياة وفق نسق يجمع بين المادة والروح. ولكن عندما عجز الإنسان الحديث عن الارتقاء لمستوى هذه التوقعات الكونية، قام بردة فعل عكسية؛ فثار ضد الموجه الروحي والتراثي، وقرر أن ينكفئ على دراسة المادة المجردة فقط.
أدى هذا الانكفاء إلى إصابة الإنسان الحديث بحالة من الغرور والغطرسة المعرفية، حيث توهم أنه قادر على تفكيك وتحليل كل ظواهر الكون المعقدة باستخدام أداته العقلية المحدودة فقط، متجاهلا أن الحكماء والفلاسفة منذ فجر التاريخ المكتوب حذروا من هذا المنزلق الخطير.
لتوضيح أزمة الفهم السطحي، نستحضر موقفا تاريخيا جليلا حدث في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. عندما سأل الحضور عن تفسير قوله تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح..."، اتجهت أغلب الإجابات نحو المعنى الظاهر المباشر، وهو البشارة بالفتوحات ودخول الناس في دين الله، وضرورة الإكثار من التسبيح والحمد.
ولكن عندما سُئل عبد الله بن عباس، ذو البصيرة النافذة، أدرك المعنى الباطن والعميق للنص، وأجاب بأن هذه السورة هي نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلام باقتراب أجله، وهو ما أقره عمر بن الخطاب. يثبت هذا الموقف مبدأ "تفاوت الإدراك" بين البشر؛ فلا يصح مساواة من يغوص في أعماق النصوص بمن يكتفي بقشورها، كما لا يستوي من خضع لتهيئة نفسية وروحية وعلمية على يد أساتذة موجهين، بمن قرر أن يتعلم بمفرده دون مرجعية.
لقد دأبت الحضارات المتعاقبة على نقل المعارف والفلسفات عبر سلسلة متصلة وإسناد علمي دقيق يسمى "التقاليد". إلا أن الإنسان الحديث انقلب على هذا المفهوم، مدعيا استغناءه عن المعلم والمرجعية، معتقدا أنه بمجرد قراءة النصوص يمكنه إدراك مراميها.
إن النصوص، كالأمثال في كل اللغات، تحمل في ظاهرها معنى، وفي باطنها معاني أخرى أعمق لا تُفهم إلا من خلال سياقها المعرفي الموروث. فالعلم الحقيقي لا يقتصر على مجرد البحث العشوائي، بل يتطلب التلقين، والتنوير، والفهم العميق تحت مظلة المرجعية المتصلة.
إن السلسلة المعرفية التي يتلقى فيها الجاهل العلم من العالم هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الحكمة الباسقة. أما وهم الحداثة بأن الفرد قادر على استيعاب كل شيء بمفرده ومنعزلا عن سياق التقاليد، فهو الكارثة الكبرى التي تنذر بنهاية هذا العصر الحديث.
0 تعليقات