جناية "العقل الحداثي" حين يرتدي عباءة "النص المقدس": فجيعة التدين الجديد!
لعل من أعقد الأزمات التي نعيشها اليوم في ساحتنا الإسلامية، والتي شخصها بدقة عدد من المتخصصين في نقد الحداثة الغربية، ليست في "نقص التدين" أو "قلة المتحمسين". بل هي فجيعة حقيقية وعميقة تكمن في "نوعية العقل" الذي يستقبل هذا الدين ويحاول العمل به.
نحن أمام جيل من الشباب قد يمتلك أصدق النوايا، وقد تظهر عليه كل سيماء الالتزام والتمسك الظاهري بالسنة، لكننا نغفل عن حقيقة مرعبة:
نظام التشغيل (Operating System) الفاسد
إن "نظام التشغيل" الذي يعمل في عقول هؤلاء الشباب هو نظام مادي، علماني، حداثي بامتياز!
هؤلاء الشباب هم أبناء المدارس والجامعات الحديثة، التي صاغت عقولهم لسنوات طويلة على "المادية" و"الفردانية" و"نزع القداسة". وحين توجهوا للتدين، لم يغيروا طريقة تفكيرهم، بل سحبوا نفس تلك الأدوات العلمانية وطبقوها على "الوحي المقدس".
وهنا تظهر الكارثة في ثلاث تجليات خطيرة تهدد بنية التدين ذاتها:
أخطر ما في هذه الظاهرة هو الشعار المرفوع: "نحن نتبع الكتاب والسنة". شعار براق لا يجرؤ أحد على رفضه. لكن عند التحقيق، تجد أن هذا الشاب لا يتبع الكتاب والسنة وفق المنهجية العلمية المتوارثة (فهم السلف والأئمة)، بل يتبع "فهمه هو" للكتاب والسنة.
لقد تحول "النص" عنده إلى مادة خام، وتحول عقله الفردي البسيط إلى "المصنع" الذي يشكل هذا النص كما يريد! هو في الظاهر ينتصر للدليل، لكنه في الباطن ينتصر لرأيه الشخصي الذي ألبسه ثوب الدليل. هذه هي قمة "الحداثة": أن تجعل عقلك الفردي حاكماً على التراث كله.
من سمات العقلية الغربية "المساواة المطلقة" و"إسقاط التراتبية". وهذا ما نراه حرفياً اليوم. العلم الشرعي الذي كان يؤخذ بالسنوات الطويلة، وبالتدرج، وبثني الركب، وبالأدب قبل الحرف، تحول إلى "معلومة" سريعة يمكن الوصول إليها بضغطة زر.
لذلك، تجد الواحد منهم يتجرأ على كبار العلماء والأئمة، ويناقشهم "رأساً برأس". هو لم يدرس أبجديات اللغة، ولم يفتح "الآجرومية" ولا "ألفية ابن مالك"، ومع ذلك ينصب نفسه حكماً على العلماء، يصحح ويضعف، بجرأة لا يمتلكها إلا من غُسل دماغه بوهم "المركزية الفردية".
ثالثاً: العقد النفسية خلف قناع الغيرة الدينية
إذا تعمقنا قليلاً -كما يشير التحليل النفسي لهذه الظاهرة- سنجد أن المحرك ليس دائماً "الحق"، بل هو خليط من أزمة نفسية وفراغ ذاتي:
- تعويض النقص (عقدة الأهمية): هذا الشاب قد يكون هامشياً في مجتمعه، لا قيمة له ولا تأثير. الطريق الأقصر ليشعر بـ"الأهمية" و"القوة" هو أن يناطح الكبار. حين يسقط هيبة عالم أفنى عمره في العلم، فهو يشعر نفسياً أنه أصبح نداً له. إنه يبحث عن "التقدير المفقود" من خلال الهدم.
- الفردانية المتوحشة: هو ابن بار للثقافة الغربية التي تقول له: "أنت المقياس"، "أنت الحكم". لذا، هو لا يطيق فكرة "التقليد" أو "الاتباع" لمن هو أعلم منه، بل يريد أن يكون هو المرجع، مستعيناً بمحركات البحث والذكاء الاصطناعي، ظاناً أن "توفر المعلومة" يغني عن "ملكة العلم".
كلمة أخيرة
التمسك بالكتاب والسنة ليس مجرد اقتباس للنصوص في المنشورات والمجالس، بل هو تمسك بـ "أدوات فهم" الكتاب والسنة، وهو احترام لتراكم معرفي مقدس، وتواضع أمام بحر العلم.
رحم الله امرأً عرف قدر نفسه، وأدرك أن "غوغل" لا يصنع عالماً، وأن "الجرأة" ليست دليلاً على الحق.

0 تعليقات