يشكل الصراع المستدام بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد المحاور الجيوسياسية المركزية التي تعيد هندسة وتشكيل بنية الأمن في الشرق الأوسط. ورغم أن الخطاب السياسي والإعلامي يُقدِّم هذا الصراع غالباً بوصفه مواجهة ثنائية حصرية بين دولتين، فإن تفكيكه من خلال "نظرية المجمعات الأمنية الإقليمية" (Regional Security Complex Theory - RSCT) يكشف حقيقة استراتيجية أعمق؛ وهي أن هذا الصراع يتجاوز الإطار الثنائي ليصبح عاملاً بنيوياً حاكماً يؤثر في هيكل الأمن الإقليمي بأكمله.
وفق هذه المقاربة النظرية، لا يمكن فهم العلاقات الدولية والأمن العالمي من خلال القوى العظمى وحدها، بل يجب التركيز على المستوى الإقليمي. فمخاوف الدول الأمنية تتشابك بصورة عضوية تجعل أمن كل دولة مرتبطاً بشكل وثيق بأمن جيرانها المباشرين، محولةً المنطقة إلى شبكة عصبية واحدة تتأثر بأي اختلال محلي.
تعود جذور نظرية المجمعات الأمنية إلى أعمال المفكرين باري بوزان (Barry Buzan) وأولي ويفر (Ole Wæver)، رائدي ما يُعرف بـ "مدرسة كوبنهاغن" الدراسات الأمنية. يرى هؤلاء المنظرون أن التهديدات الأمنية لا تنتقل بسهولة عبر المسافات الطويلة العابرة للقارات، بل تتشكل وتتكثف أساساً داخل مناطق جغرافية متجاورة تُعرف بـ "المجمعات الأمنية" (Security Complexes).
وفقاً للنظرية، فإن المجمعات الأمنية تتشكل من فاعلين محليين، لكنها قد تتعرض لتدخلات من قوى عالمية. تُصنف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كـ "قوة اختراق خارجي" (Penetrator). فرغم كونها قوة عالمية بعيدة جغرافياً، إلا أنها تتدخل في المنطقة ضمن منطق إقليمي، حيث تسعى للحفاظ على تدفق الطاقة، حماية أمن إسرائيل، ومنع صعود أي قوة إقليمية مهيمنة (مثل إيران).
في المقابل، ترى طهران في هذا الاختراق الخارجي تهديداً وجودياً ومحاولة هندسة النظام الإقليمي لعزلها. ولذلك، تسعى إيران إلى بناء شبكة متينة من التحالفات والنفوذ الإقليمي (محور المقاومة) لطرد قوة الاختراق الأمريكية. وهكذا يصبح الصراع جزءاً من ديناميكية أمنية إقليمية متشابكة، لا يمكن اختزالها أبداً في نزاع دبلوماسي أمريكي-إيراني مباشر.
يقسم باري بوزان الشرق الأوسط إلى مجمعات فرعية (Sub-complexes)، يشكل الخليج العربي أحد أهم مراكزها. السمة الأساسية لهذا الفضاء هي "الاعتماد الأمني المتبادل السلبي" والمعضلة الأمنية الكلاسيكية. فبينما تشعر دول الخليج بتهديد وجودي من التمدد الإيراني وبرنامجها الصاروخي والنووي؛ ترى إيران أن هذه الدول أصبحت منصات انطلاق عسكرية وقواعد استخباراتية للقوة الأمريكية.
أدى هذا التفاعل إلى تشكيل نمط حاد من الاستقطاب: تعتمد دول الخليج بشكل شبه كلي على التحالف مع واشنطن لضمان توازن القوى (Balancing)، بينما تسعى إيران إلى كسر هذا التوازن عبر تكتيكات "الحروب غير المتماثلة". إن مفهوم "الهلال الشيعي" —سواء كان واقعاً جيوسياسياً أو مجرد بناء خطابي للتهديد— يعكس سعي إيران الدؤوب لتغيير التوازن الديموغرافي والسياسي لصالحها، وهو ما يدفع المجمع الفرعي الخليجي نحو حافة سباق تسلح دائم.
تلعب إسرائيل دوراً محورياً في المجمع الأمني الفرعي للمشرق العربي، خاصة في ظل تحول بوصلة الصراع من الحروب العربية-الإسرائيلية التقليدية إلى حرب الظل مع إيران. تنظر النخبة الأمنية الإسرائيلية للبرنامج النووي الإيراني وتطويق طهران لإسرائيل عبر وكلائها (في لبنان وسوريا وغزة) بوصفه تهديداً أمنياً وجودياً لا يمكن التعايش معه، وهو ما يدفع تل أبيب لتبني سياسة "المواجهة الاستباقية" أو استراتيجية "المعركة بين الحروب".
من أهم المفاهيم في نظرية المجمعات الأمنية مفهوم "الدول العازلة" (Insulators)؛ وهي الدول التي تقع بين مجمعين أمنيين وتمنع احتكاكهما المباشر. تاريخياً، لعب العراق (في عهد صدام) وسوريا دور الدول العازلة القوية. ولكن مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، واندلاع الحرب في سوريا عام 2011، انهارت هياكل هذه الدول العازلة.
تحولت سوريا والعراق من عوامل استقرار إقليمي إلى "ساحات تفريغ أمني مفتوحة" للصراع الإيراني-الأمريكي والإيراني-الإسرائيلي. تمدد النفوذ الإيراني عضوياً في العراق لملء الفراغ الأمريكي، بينما تحولت سوريا إلى الجسر الاستراتيجي الحيوي (الممر البري) الذي يربط طهران بالبحر المتوسط. هذا الانهيار للدول العازلة جعل الاحتكاك بين قوى المجمع الأمني الإقليمي احتكاكاً مباشراً ودموياً، يفتقر لأي مصدات جيوسياسية.
تثبت نظرية المجمعات الأمنية بما لا يدع مجالاً للشك أن الصراع الإيراني–الأمريكي ليس معزولاً، بل هو المحرك البنيوي الأبرز الذي يعيد تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط. فكل عقوبة أمريكية تُفرض على طهران تتردد أصداؤها في أسواق بيروت وبغداد؛ وكل صاروخ إيراني يُطلق يؤدي إلى إعادة تموضع القوات الأمريكية وتغيير العقيدة العسكرية في تل أبيب وعواصم الخليج.
يُظهر التحليل العميق للصراع الإيراني–الأمريكي، من خلال عدسة "نظرية المجمعات الأمنية الإقليمية"، قصور المقاربات التي تحاول حل هذا النزاع بمعزل عن محيطه. فالأمن في الشرق الأوسط وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة.
لا يمكن للاتفاقيات الثنائية أو المتعددة المحدودة (كالاتفاق النووي) أن تجلب سلاماً مستداماً إذا تجاهلت التفاعلات الإقليمية، وديناميكيات العداء التاريخية، ومخاوف الدول المجاورة. إن مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط سيبقى مرتهناً بالقدرة على إيجاد صيغة أمنية إقليمية شاملة تعترف بالترابط الحتمي بين مصائر شعوب هذا المجمع الأمني البالغ التعقيد.

0 تعليقات