يشكل اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام والمساعدة في الأعمال المتعلقة بالألغام، والذي يُحتفل به في 4 أبريل من كل عام، مناسبة دولية لتسليط الضوء على الآثار الإنسانية طويلة الأمد للنزاعات المسلحة. فقد خلفت الحروب في مناطق عديدة من العالم ملايين الألغام الأرضية التي لا تزال تهدد حياة المدنيين بعد انتهاء العمليات العسكرية بسنوات، أو حتى عقود.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الألغام الأرضية ومخلفات الحروب المتفجرة تمثل خطراً دائماً ومقيماً على المجتمعات؛ حيث تعرقل عودة اللاجئين، وتمنع استخدام الأراضي الزراعية، وتؤدي إلى إصابات ووفيات مروعة بين المدنيين، خصوصاً الأطفال. لكن هذه القضية ليست مجرد مشكلة إنسانية أو تقنية تتعلق بإزالة المتفجرات، بل تطرح أيضاً أسئلة عميقة في النظرية السياسية والعلاقات الدولية حول التوازن الحرج بين "سيادة الدولة" و"الأمن الإنساني".
في إطار النظرية الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية، يُنظر إلى الدولة باعتبارها الفاعل الأساسي والوحيد تقريباً في النظام الدولي، ويُفهم الأمن في المقام الأول بوصفه "أمن الدولة" وقدرتها على حماية حدودها واستقلالها السياسي.
ووفق هذا المنظور، فإن الأدوات العسكرية، بما في ذلك حقول الألغام الأرضية، قد تُعتبر وسائل مشروعة وضرورية للدفاع عن الأراضي ومنع تقدم القوات المعادية. ويرى بعض المنظرين الواقعيين أن الدول، في نظام دولي فوضوي يفتقر إلى سلطة مركزية عليا، مضطرة إلى الاعتماد المطلق على قدراتها الذاتية لحماية بقائها. وهو ما يبرر، من وجهة نظرهم، استخدام وسائل دفاعية مختلفة حتى وإن كانت لها آثار إنسانية سلبية لاحقة. ومن هذا المنطلق، تُصاغ السياسات الأمنية أساساً وفق اعتبارات الردع والاستراتيجية العسكرية، وليس وفق المعايير الأخلاقية أو الإنسانية البحتة.
غير أن هذا التصور التقليدي للأمن بدأ يتعرض لانتقادات واسعة ومراجعات جذرية منذ نهاية الحرب الباردة، لا سيما مع الظهور المؤسسي لمفهوم الأمن الإنساني الذي طرحه تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 1994.
يقوم هذا المفهوم على فكرة أن الأمن الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على حماية سيادة الدولة وكيانها، بل يجب أن يمتد ليشمل حماية الأفراد من العنف، والفقر، والمرض، والكوارث البيئية. وبذلك ينتقل مركز الثقل والاهتمام من الدولة إلى "الإنسان" نفسه بوصفه المرجع الأساسي للسياسات الأمنية. ويعني ذلك أن الأمن لا يُقاس فقط بقدرة الدولة العسكرية وترسانتها، بل أيضاً بمدى قدرة المجتمعات على توفير بيئة آمنة ومستقرة يعيش فيها الأفراد دون تهديد دائم لحياتهم أو سبل عيشهم.
في ضوء هذا التحول المفاهيمي، أصبحت قضية الألغام الأرضية مثالاً صارخاً على التوتر بين هذين المنظورين (الواقعي والإنساني). فبينما قد ترى بعض الدول في الألغام وسيلة دفاعية منخفضة التكلفة لحماية حدودها أو تحصين مواقعها العسكرية، يشير المدافعون عن الأمن الإنساني إلى أن هذه الأسلحة عمياء بطبيعتها، وغالباً ما تستمر في حصد أرواح المدنيين حتى بعد توقيع معاهدات السلام بسنوات طويلة.
تظهر الإحصاءات الدولية بوضوح أن الغالبية العظمى من ضحايا الألغام الأرضية هم من المدنيين العزل، وأن الأطفال يشكلون نسبة مأساوية من المصابين، وذلك لعدم قدرتهم على التمييز والتعرف على مخاطر هذه المتفجرات المخبأة. كما أن وجود الألغام في الأراضي الخصبة أو الطرق الريفية يؤدي إلى شلل النشاط الاقتصادي وإعاقة التنمية المحلية، وهو ما يجعل آثارها الكارثية تتخطى المجال العسكري المباشر لتدمر البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
من الناحية النظرية، يسلط هذا الجدل الضوء على تطور مهم في فهمنا لمفهوم الأمن ذاته. ففي حين ركزت النظرية الواقعية تاريخياً على موازين القوى الخشنة، تركز المقاربات الأحدث على مفهوم الأمن البشري الشامل (الاقتصادي، الغذائي، الصحي، والبيئي). ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن التهديدات في القرن الحادي والعشرين باتت معقدة ومترابطة، ولم تعد تقتصر على غزو الجيوش النظامية.
ومع ذلك، لا يزال النقاش بين أنصار سيادة الدولة المطلقة وأنصار الأمن الإنساني محتدماً. فالدول تظل الفاعل القانوني والسياسي الرئيسي في النظام الدولي، وتتحفظ أحياناً على أي قيود دولية قد تحد من خياراتها الاستراتيجية. لكن في المقابل، أصبح جلياً أن تجاهل الاعتبارات الإنسانية يؤدي في النهاية إلى تقويض "أمن الدولة" ذاته؛ لأن المجتمعات الممزقة التي تعيش تحت رعب الألغام ومخلفات الحرب لا يمكنها تحقيق استقرار داخلي أو تنمية مستدامة.
إن اليوم الدولي للتوعية بخطر الألغام يذكرنا دوماً بأن الأمن مفهوم مركب لا يمكن اختزاله في قوة النيران العسكرية وحدها. فالأمن الحقيقي والمستدام يتطلب بالضرورة حماية الإنسان وبيئته وحقه في الحياة والتنقل.
من هذا المنظور، لا ينبغي مقاربة النقاش بين الأمن الإنساني وسيادة الدولة بوصفه صراعاً صفرياً (Zero-sum game)، بل بوصفه محاولة جادة لإعادة التوازن بين متطلبات الدفاع المشروع للدول، وبين مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية تجاه حياة المدنيين وكرامتهم. وبهذا المعنى، يصبح الرابع من أبريل دعوة للتفكير في مستقبل التوازن بين قوة السلطة وقيمة الإنسان.

0 تعليقات