يُعد عيد الأم (Mother's Day) من أرق وأسمى المناسبات السنوية التي تتفق عليها الشعوب بمختلف ثقافاتها وأعراقها. فهو يوم مخصص لتكريم الأم، والاحتفاء بعطائها اللامحدود، وتقدير تضحياتها المستمرة في تربية الأجيال ورعاية الأسرة التي تمثل النواة الأساسية لأي مجتمع قوي.
ورغم أن مواعيد الاحتفال بهذا اليوم تختلف جغرافياً من دولة إلى أخرى، إلا أن الجوهر والهدف الأساسي يظل واحداً: الاعتراف بالدور المحوري الذي تلعبه الأم في استمرار الحياة وتشكيل الوجدان الإنساني. ففي العالم العربي، جرت العادة أن نحتفل بعيد الأم في 21 مارس من كل عام، وهو الموعد الذي يتطابق مع الانقلاب الربيعي وأول أيام فصل الربيع، في دلالة رمزية عبقرية تربط بين الأمومة وبين العطاء، والتجدد، وتفتح زهور الحياة.
لم يكن الاحتفال بالأم وليد العصر الحديث، بل هو امتداد لموروث إنساني عميق يرجع إلى فجر التاريخ، حيث كانت الأمومة تُقدّس وتُعتبر رمزاً للخصوبة والنماء:
- في الحضارة الفرعونية: رفع المصريون القدماء مكانة الأم إلى درجة التقديس، وتجسد ذلك في الإلهة "إيزيس" التي كانت تمثل رمزاً للأمومة المخلصة والزوجة الوفية، وكانت تُقام لها مهرجانات سنوية ضخمة.
- في اليونان القديمة: كانت تُقام احتفالات مهيبة في فصل الربيع لتكريم الإلهة "ريا" (أم الآلهة)، اعترافاً بفضل الأمومة في استمرار الكون.
- في الإمبراطورية الرومانية: احتفل الرومان بمهرجان يُعرف باسم "هيلاريا" (Hilaria) لتكريم الإلهة الأم "سيبيل"، وكانت الاحتفالات تستمر لعدة أيام وتتضمن تقديم القرابين والزهور.
لا يمكن فصل الاحتفال بالأم عن السياقات الدينية والثقافية التي تمنح هذا اليوم أبعاداً روحية أعمق، حيث يتقاطع مفهوم تكريم الأم مع العديد من العقائد والأعياد الأخرى حول العالم:
- أحد الأمومة (Mothering Sunday) في المسيحية: في المملكة المتحدة وأجزاء من أوروبا، يُحتفل بعيد الأم في "الأحد الرابع من الصوم الكبير". تاريخياً، كان هذا اليوم مخصصاً لعودة المسيحيين إلى الكنيسة "الأم" (الكنيسة الرئيسية في مسقط رأسهم) للصلاة. ومع مرور الزمن، اندمج هذا التقليد الديني مع المفهوم الاجتماعي لتكريم الأمهات، وأصبح يُعرف بعيد الأم.
- مكانة الأم في الإسلام: لا يخصص الإسلام يوماً واحداً للاحتفال بالأم، بل يجعل "البر بالأم" فريضة دينية يومية مستمرة طوال العمر. وقد أعلى القرآن الكريم والسنة النبوية من شأن الأم وجعل لها ثلاثة أضعاف حق الأب في الرعاية وحسن الصحبة، وربط نيل رضا الله ورخول الجنة ببر الأمهات. ومع ذلك، لا يتعارض الاحتفال الاجتماعي في 21 مارس مع الدين، بل يُعد من باب إدخال السرور وتجديد الشكر.
- عيد "ماتا تيرثا أونشي" في الهندوسية: في نيبال وبعض المناطق الهندوسية، يُقام احتفال ديني يُسمى (Mata Tirtha Aunshi) أو "يوم الحج للأم"، حيث يقدم الأبناء الهدايا لأمهاتهم، ويذهبون لزيارة المعابد والصلاة لأرواح الأمهات المتوفيات، في طقس يمزج بين البر الدنيوي والواجب الروحي.
أما الشكل المعاصر لعيد الأم كما نعرفه اليوم، فقد وُلد في الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل القرن العشرين، ويعود الفضل فيه إلى ناشطة أمريكية تُدعى آنا جارفيس.
بدأت القصة عام 1908 عندما أقامت "آنا جارفيس" ذكرى لوالدتها الراحلة، وبدأت حملة وطنية واسعة للاعتراف بيوم الأم كعطلة رسمية. وقد نجحت مساعيها عام 1914 عندما وقّع الرئيس وودرو ويلسون إعلاناً يجعل عيد الأم عطلة رسمية. ولكن المفارقة الغريبة هي أنه بعد سنوات، عندما تحول العيد إلى مناسبة تجارية بحتة، شعرت آنا بالاستياء الشديد، وكرست بقية حياتها لمحاربة هذا الاستغلال التجاري، مؤكدة أن الهدف كان التعبير عن الحب الصادق وليس الاستهلاك المادي.
يعود الفضل في إدخال فكرة الاحتفال بعيد الأم إلى العالم العربي لمؤسسي جريدة "أخبار اليوم" المصرية، الكاتبين الصحفيين الكبيرين علي أمين ومصطفى أمين في منتصف خمسينيات القرن الماضي.
جاءت الفكرة عندما زارت إحدى الأمهات مكتب مصطفى أمين، وقصت عليه حكايتها المؤلمة حول تفانيها في تربية أبنائها بعد وفاة زوجها، وكيف جحدوا فضلها بعد زواجهم. تأثر الأخوان أمين بالقصة، واقترحا تخصيص يوم لرد الجميل للأمهات. لاقت الفكرة ترحيباً شعبياً هائلاً، وتم اختيار يوم 21 مارس، ومن مصر، انطلقت الفكرة لتشمل معظم الدول العربية.
لا يقتصر عيد الأم على كونه يوماً احتفالياً، بل يحمل أبعاداً عميقة تؤثر في بنية المجتمع. فهو يُعد فرصة ذهبية لكسر الجليد الذي قد يخلقه روتين الحياة السريعة، ويعيد الدفء إلى العلاقة الأسرية. كما أن الأم تشعر بالسعادة الغامرة والتقدير العميق عندما ترى ثمرة تعبها تتجسد في اعتراف أبنائها بفضلها، مما ينعكس إيجابياً على صحتها النفسية. علاوة على ذلك، يعلم هذا اليوم الأجيال الجديدة قيمة التضحية والبر.
تختلف طرق الاحتفال من شخص لآخر، ورغم أن الهدايا المادية تظل خياراً محبباً، إلا أن هناك طرقاً أكثر ابتكاراً وعمقاً للتعبير عن الحب، مثل إعفاء الأم من كافة المهام المنزلية ليوم كامل، أو قضاء "وقت جودة" بالجلوس معها والاستماع إليها. وفي العصر الرقمي، أصبح من الممكن إعداد مقاطع فيديو مجمعة تحمل رسائل حب من جميع أفراد الأسرة المقيمين في الخارج.
يرى الكثيرون أن الأم تستحق التقدير طوال أيام العام، وأن البر بها لا يجب أن يُختزل في 24 ساعة فقط. ولكن في حقيقة الأمر، عيد الأم ليس بديلاً عن الاهتمام اليومي، بل هو "محطة تذكيرية" سنوية، ووقفة تقدير استثنائية وسط زحام الحياة، لنقول للأمهات بصوت مجتمع متكاتف: "شكراً".
عيد الأم هو رسالة حب نرسلها إلى "المدرسة الأولى" التي شكلت وعينا. تذكر دائماً أن أهم ما يمكن تقديمه للأم هو الحب، والاهتمام الحقيقي، والوجود الفعلي إلى جانبها.

0 تعليقات