الشرعية السياسية في السياسة الخارجية: كيف يستخدم النظام الإيراني الصراع مع أمريكا لتعزيز شرعيته؟

يُعد مفهوم "الشرعية السياسية" (Political Legitimacy) حجر الزاوية في حقل النظرية السياسية، إذ يُشير إلى قدرة أي نظام سياسي على تبرير احتكاره للسلطة، وإقناع المجتمع بقبول حكمه طواعية دون الحاجة الدائمة للجوء إلى الإكراه الخشن. وفي الأنظمة السياسية التي لا تستند إلى ديمقراطية ليبرالية أو انتخابات تنافسية حرة لتجديد تفويضها، تتحول مسألة الشرعية إلى هاجس وجودي وتحدٍ مستمر؛ حيث تضطر هذه الأنظمة إلى هندسة مصادر بديلة للشرعية مثل: الأيديولوجيا، الإنجازات الاقتصادية، الكاريزما، والأمن القومي.

في هذا السياق المعقد، يُشكل الصراع المستدام بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية حالة دراسية استثنائية لكيفية توظيف "السياسة الخارجية" كأداة حيوية لتعزيز الشرعية الداخلية. فمنذ انتصار الثورة عام 1979، لم يعد العداء لواشنطن مجرد موقف جيوسياسي أو تكتيك تفاوضي، بل تحول إلى ركن هيكلي في بناء شرعية النظام ووسيلة لضمان تماسكه الداخلي وسط أمواج من التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

الخطاب الثوري: صناعة "الآخر" كمصدر للشرعية الأيديولوجية

تستند شرعية النظام الإيراني في جذورها إلى الخطاب الثوري الراديكالي الذي تأسس عام 1979. لقد قدّم النظام الجديد نفسه بوصفه مشروعاً تحررياً مقدساً يهدف إلى كسر قيود الهيمنة الإمبريالية الغربية. ومن أجل تعريف "الذات" الثورية النقية، كان لا بد من صناعة "آخَر" نقيض وشيطاني؛ ومن هنا وُلد مفهوم "الشيطان الأكبر" في الأدبيات السياسية الإيرانية لوصف الولايات المتحدة.

تشير نظريات علم الاجتماع السياسي إلى أن هذا النوع من الخطاب الخارجي يلعب دوراً حاسماً في هندسة البناء الداخلي. فهو يساهم في رسم حدود قاطعة للولاء الوطني؛ حيث يتم تعريف مؤيدي النظام بوصفهم حراساً لمشروع مقاومة حضاري، بينما يسهل وصم المعارضين أو المنتقدين بأنهم طابور خامس، أو أذرع ثقافية متأثرة بقوى الاستكبار العالمي. هذا الفرز الحاد يمنح النظام مبرراً أخلاقياً ودينياً لاحتكار السلطة.

نظرية الصراع التحويلي: تصدير الأزمات إلى الخارج
نظرية الصراع التحويلي/الإلهائي (Diversionary Theory of War): تُعد هذه النظرية من أهم مفاهيم السياسة الخارجية، وتشير إلى لجوء النخب الحاكمة التي تعاني من تراجع في شعبيتها الداخلية (بسبب أزمات اقتصادية أو سياسية) إلى افتعال صراعات أو تضخيم تهديدات خارجية. الهدف من ذلك هو تشتيت انتباه الرأي العام المحلي، وتحويل غضب الجماهير من إخفاقات الحكومة نحو "العدو الخارجي" المتربص بالوطن.

في الحالة الإيرانية، يتم توظيف التوتر المستمر مع واشنطن كوسيلة ناجعة لتعبئة الرأي العام وتوجيه الانتباه بعيداً عن التشوهات الهيكلية في الاقتصاد. غالباً ما تعمد القيادة إلى ربط الأزمات الداخلية المستعصية —مثل التضخم المفرط، البطالة، أو حتى الاحتجاجات الشعبية— بمؤامرات خارجية وعقوبات أمريكية. هذا التكتيك يعفي النظام من تحمل المسؤولية الكاملة عن الإخفاقات التنموية، ويضع اللوم دائماً على عاتق حصار القوى الخارجية.

أمننة المجال العام: تجريم المعارضة وحماية النظام

يتيح التهديد الأمريكي المستمر للنظام الإيراني تطبيق ما تُسميه مدرسة كوبنهاغن بـ "الأمننة" (Securitization). الأمننة هي العملية التي تقوم من خلالها السلطة بتحويل قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية عادية إلى "تهديد أمني وجودي"، مما يبرر لها اتخاذ إجراءات استثنائية وقمعية خارج نطاق القوانين الطبيعية.

من خلال تصوير البلاد على أنها تعيش في حالة "حرب مفروضة" أو تحت تهديد دائم بتغيير النظام (Regime Change) من قبل واشنطن وحلفائها، يحول النظام الصراع السياسي من مسألة تتعلق بالحقوق المدنية والإصلاح الديمقراطي إلى قضية أمن قومي وبقاء وجودي. وبهذا المعنى، يصبح المطالبة بالإصلاح ترفاً لا يحتمله وضع الدولة المحاصرة، وتتحول أي معارضة جادة لسياسات الدولة إلى خطر يهدد تماسك الجبهة الداخلية، مما يمنح الأجهزة الأمنية تفويضاً مفتوحاً لفرض سيطرتها.

تأثير "الالتفاف حول العلم" وتوظيف الضغوط الخارجية

تؤكد نظريات السياسة المقارنة أن الأزمات الدولية الحادة تخلق ظاهرة تُعرف بـ "الالتفاف حول العلم" (Rally 'round the flag effect)؛ حيث تتناسى الشعوب خلافاتها الداخلية وتصطف خلف قيادتها السياسية في أوقات التهديد الخارجي الشديد.

كلما زادت سياسة "الضغوط القصوى" الأمريكية (سواء بالعقوبات الخانقة أو التهديدات العسكرية)، كلما قدمت واشنطن —عن قصد أو دونه— طوق نجاة للنظام الإيراني لتوحيد صفوفه وتبرير سياساته الأمنية والاقتصادية الصارمة بوصفها "اقتصاد مقاومة" لا بد منه للدفاع عن شرف الأمة وسيادتها.

علاوة على ذلك، يُقدم الاستثمار المالي والعسكري الضخم لإيران في صراعات الشرق الأوسط (سوريا، العراق، لبنان، اليمن) للداخل الإيراني بوصفه استراتيجية "دفاع استباقي" حتمية لمنع العدو الأمريكي-الإسرائيلي من الوصول إلى طهران، مما يبرر استنزاف الموارد الوطنية في ساحات خارجية لضمان الأمن الداخلي.

أزمة الشرعية: الإنجاز الاقتصادي مقابل شرعية المواجهة

على الرغم من براعة النظام في توظيف الصراع الخارجي، إلا أن هذه الاستراتيجية بدأت تصطدم بجدار من التحديات الهيكلية. فوفقاً لعالم الاجتماع ماكس فيبر (Max Weber)، عندما تتراجع "شرعية الإنجاز" (Performance Legitimacy) —أي قدرة الدولة على توفير الرفاهية والخدمات لمواطنيها— تضطر الدولة للاعتماد المفرط على "الشرعية الأيديولوجية".

لكن مع تعاقب الأجيال الجديدة التي لم تعش زخم ثورة 1979 أو صدمة الحرب العراقية-الإيرانية، تبرز فجوة آخذة في الاتساع بين أولويات الدولة وأولويات المجتمع. باتت الطبقة الوسطى والشباب الإيراني يطالبون بشرعية مبنية على تحسين مستويات المعيشة، ودمج إيران في الاقتصاد العالمي، بدلاً من "شرعية المواجهة" المستمرة التي تورث الفقر والعزلة. وقد انعكس هذا التحول في سلسلة الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي والمعيشي التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، والتي تشير بوضوح إلى محدودية تأثير الخطاب الأيديولوجي المعادي لأمريكا على معدة خاوية.

خلاصة القول

يكشف التحليل المتعمق للصراع الإيراني–الأمريكي من نافذة "نظريات الشرعية السياسية" أن هذا الصراع الممتد لا ينحصر في مسرح العمليات الجيوسياسية الخارجي، بل هو أداة بقاء داخلية شديدة الحيوية لضمان استقرار النظام الإيراني. لقد وفرت عداوة الولايات المتحدة —ولا تزال— غطاءً أيديولوجياً ممتازاً لتعزيز الهوية الثورية، تبرير القمع، وامتصاص الصدمات الاقتصادية تحت شعار مقاومة الإمبريالية.

ومع ذلك، فإن الرهان الحصري على صناعة الخطر الخارجي لاستدامة الشرعية هو رهان محفوف بالمخاطر على المدى الطويل. فمستقبل الاستقرار السياسي في إيران لن يعتمد إلى الأبد على بلاغة الخطاب الثوري ضد واشنطن، بل سيرتهن تدريجياً بقدرة النظام على التوفيق بين أعباء المواجهة الخارجية والاستحقاقات الملحة للتنمية والإنجاز الاقتصادي في الداخل.

إرسال تعليق

0 تعليقات