الليبرالية والمؤسسات الدولية: لماذا فشل النظام الدولي في احتواء الصراع الإيراني الأمريكي؟

يُعد الصراع المستحكم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد أبرز التحديات التي واجهت النظام الدولي المعاصر في مجال إدارة النزاعات النووية والحد من التسلح. وقد شكّل الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، محاولة جادة وغير مسبوقة من المجتمع الدولي لتسوية هذا الصراع المعقد عبر آليات دبلوماسية متعددة الأطراف، وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة.

غير أن الانهيار التدريجي لهذا الاتفاق، إثر قرار الإدارة الأمريكية الأحادية بالانسحاب منه عام 2018، أعاد طرح سؤال جوهري وإشكالي في صميم النظرية الليبرالية للعلاقات الدولية: هل تمتلك المؤسسات الدولية وقواعد القانون الدولي القدرة الحقيقية على احتواء الصراعات الكبرى وتطويع سلوك الدول؟ أم أن فاعليتها تبقى هشة ومحدودة بمجرد اصطدامها بالمصالح الاستراتيجية العليا للقوى العظمى؟

الليبرالية المؤسسية وبديل القوة العسكرية

من منظور "الليبرالية المؤسسية" (Institutional Liberalism)، يقوم النظام الدولي المثالي على شبكة معقدة من القواعد، والمعاهدات، والمؤسسات التي تهدف إلى تقليل هوة الصراع وتعزيز الاعتماد المتبادل (Interdependence) بين الدول. فبدلاً من الارتكان إلى القوة العسكرية وحدها (كما تنادي المدرسة الواقعية)، تفترض المقاربة الليبرالية أن المؤسسات الدولية قادرة على خلق بيئة من الشفافية، وتقليل حالة انعدام اليقين، وتوفير آليات فعالة للرقابة وبناء الثقة، مما يخفض بشكل جذري من احتمالات اندلاع الحروب.

لكن مسار الاتفاق النووي الإيراني، منذ ولادته وحتى تعثره، يقدم دراسة حالة (Case Study) نموذجية وبالغة التعقيد، تختبر الصلابة الفعلية لهذا التصور النظري المتفائل أمام تقلبات السياسة الواقعية.

الاتفاق النووي 2015: قمة التعاون الدبلوماسي

تم التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة في يوليو 2015، بعد ماراثون تفاوضي شاق جمع بين إيران ومجموعة (5+1) التي تضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، وبمشاركة حيوية من الاتحاد الأوروبي. نص الاتفاق على فرض قيود فنية صارمة وطويلة الأمد على برنامج طهران النووي، مقابل الرفع التدريجي لشبكة العقوبات الدولية الخانقة التي كبلت الاقتصاد الإيراني.

تضمن الاتفاق إجراءات رقابية غير مسبوقة في تاريخ منع الانتشار النووي؛ من بينها تخفيض جذري لعدد أجهزة الطرد المركزي، تحديد سقف صارم لمستوى تخصيب اليورانيوم، وإخضاع المنشآت الإيرانية لنظام تفتيش دولي صارم. ومن منظور الليبرالية، مثّل هذا الإنجاز دليلاً قاطعاً على قدرة الدبلوماسية متعددة الأطراف على ترويض الأزمات الجيوسياسية الحادة، وتحويل الصراع الصفري المهدد بالحرب إلى تسوية تحقق مكاسب متبادلة (Win-Win Situation) لجميع الأطراف.

دور الأمم المتحدة وآليات بناء الثقة

لعبت المؤسسات الدولية دوراً مركزياً وهندسياً في إدارة هذا الملف. فقد تحرك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عبر إصدار القرار (2231) الذي صبغ الاتفاق بصفة الإلزام القانوني الدولي، وأسس لآلية "العودة التلقائية للعقوبات" (Snapback Mechanism) في حال إخلال طهران بالتزاماتها.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) وأداة الشفافية: برز دور الوكالة كذراع تنفيذي ومحايد لضمان الشفافية؛ حيث مُنحت صلاحيات استثنائية للتحقق التقني المستمر. في النظرية الليبرالية، يُعد وجود طرف ثالث محايد يوفر معلومات دقيقة أمراً حاسماً لتبديد مخاوف الدول وتقليل "المعضلة الأمنية"، وهو ما نجحت الوكالة في توفيره لسنوات أثبتت فيها التزام إيران الكامل بالاتفاق.
الانسحاب الأمريكي وحدود النظام المؤسسي

رغم النجاح التقني للاتفاق بشهادة المؤسسات الأممية، تعرض النظام المؤسسي الدولي لزلزال عنيف في عام 2018، عندما أعلنت الإدارة الأمريكية السابقة (إدارة ترامب) انسحابها الأحادي من الاتفاق، وإعادة فرض أقسى العقوبات الاقتصادية على إيران تحت استراتيجية "الضغوط القصوى" (Maximum Pressure). أدى هذا القرار إلى تقويض الأساس الذي بُني عليه الاتفاق، وحرم إيران من العوائد الاقتصادية الموعودة.

من منظور النظرية الليبرالية، يكشف هذا التحول الدرامي عن نقطة الضعف الهيكلية الأبرز في بنية النظام الدولي: غياب سلطة الإنفاذ القاهرة. تعتمد المؤسسات الدولية، مهما بلغت قوتها المعيارية، على الإرادة السياسية والتزام الدول الأعضاء (وخاصة القوى المهيمنة). وحين تقرر قوة عظمى، تتحكم في مسارات النظام المالي العالمي، أن تنتهج سياسة "أحادية" (Unilateralism) وتنسحب من تعهداتها، ينهار الإطار المؤسسي، لعدم وجود سلطة عليا قادرة على معاقبتها أو إجبارها على الامتثال.

ونتيجة لهذا الانسحاب، وتزامناً مع عجز الدول الاوروبية عن حماية مصالح إيران الاقتصادية، بدأت طهران تدريجياً في تقليص التزاماتها، ورفع نسب التخصيب، ليعود شبح التوتر النووي والتهديد العسكري ليخيم على المنطقة من جديد.

هل فشل النظام الدولي في اختباره الأصعب؟

يثير تعثر الاتفاق النووي نقاشاً أكاديمياً وسياسياً ساخناً حول جدوى المؤسسات الدولية في كبح جماح الدول. فمن جهة، يجادل الليبراليون بأن الاتفاق لم يفشل كنص أو كآلية رقابية؛ فقد نجح فعلياً لسنوات في كبح البرنامج النووي الإيراني وتوفير شفافية غير مسبوقة، مما يثبت أن المؤسسات قادرة على أداء وظيفتها إن توفرت النوايا السياسية.

لكن من جهة أخرى، يرى الواقعيون في هذا الانهيار دليلاً دامغاً على أن المؤسسات الدولية ما هي إلا أدوات طيعة في أيدي القوى العظمى؛ تُستخدم حين تخدم مصالحها، وتُداس حين تتعارض مع حساباتها الاستراتيجية المتغيرة وتوجهات قياداتها الداخلية.

خلاصة القول

تقدم دراسة حالة الاتفاق النووي الإيراني درساً بليغاً في فهم المساحة الحرجة بين الليبرالية المؤسسية والواقعية السياسية. فمن ناحية، برهنت هذه التجربة على أن الدبلوماسية متعددة الأطراف قادرة على ابتكار حلول سلمية لأعقد الأزمات الأمنية وتفكيك خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل.

ومن ناحية أخرى، كشفت بوضوح عن هشاشة هذه المؤسسات وارتهانها الدائم لموازين القوى. فالنظام الدولي لم يفشل تماماً، لكنه أثبت أنه لا يستطيع العمل في فراغ بمعزل عن الإرادة السياسية الكبرى. وهذا ما يجعل الصراع الإيراني-الأمريكي مختبراً حياً ومستمراً للتوتر الأزلي بين قوة القانون الدولي الذي تنادي به الليبرالية، وقانون القوة الذي يحكم الواقع السياسي.

إرسال تعليق

0 تعليقات